حتى لو نجحت عملية الإنقاذ المالي الأمريكية الضخمة، ينبغي أن تتبعها خطوة أشمل وأوسع نطاقاً منها. ونعني بذلك تأسيس سلطة نقدية عالمية تشرف على الأسواق التي أصبحت لا حدود لها.
تدرك واشنطن أن الأزمة أصبحت عالمية. فقد قال وزير الخزانة، هانك بولسون، إن البنوك الأجنبية العاملة في الولايات المتحدة ستكون جديرة بالمساعدة الاتحادية وهو يحث البلدان الأخرى على وضع برامج الإنقاذ الخاصة بها. وعمدت البنوك المركزية في وقت واحد إلى ضخ الأموال في الأسواق. وينبغي أن تكون هذه خطوات نحو رد دولي أشمل مصمم ليس فقط لإطفاء الحرائق الحالية، ولكن لإعادة بناء وصيانة الأسواق المالية في المدى الطويل.
الإمكانيات التي تتوافر عليها المؤسسات العالمية الحالية عاجزة بشكل مخيف عن مراقبة النظام المالي الآخذ في التطور. فصندوق النقد الدولي لا يستطيع معالجة الأزمة الراهنة، ومجموعة البلدان الصناعية السبع الكبار تفتقر إلى الشرعية في عالم أصبحت فيه الصين والبرازيل وغيرهما من الدول من كبار اللاعبين، وبنك التسويات الدولية ليس له دور عملي. وبالنسبة لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فهو محاصر لدرجة لا تمكنه من العمل كبنك مركزي عالمي.
في ظل هذا الوضع، يعتبر الفراغ الموجود في وسط الساحة خطراً على الجميع . فمن المؤكد أن يتزايد الآن اعتماد الولايات المتحدة على تدفقات رأس المال الأجنبي الهائلة عليها والتي تقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار يومياً، لأن عمليات الإنقاذ الحالية ترتب على الولايات المتحدة التزامات جديدة قدرها 1000 مليار دولار. ولن يكون بمقدور وول ستريت وواشنطن لسنوات عديدة مقبلة أن تتدبرا أمورهما من دون تعاون كبير من الأسواق الأخرى.
وخارج هذا النطاق، فإن الأبعاد الدولية للتنظيم تحير العقل. فقد ازدادت قيمة الموجودات العالمية من 12 ألف مليار دولار عام 1980 إلى نحو 200 ألف مليار دولار عام 2007، الأمر الذي يفوق كثيراً نمو الناتج المحلي الإجمالي أو توسع التجارة. ويتركز مبلغ كبير من رأس المال هذا في آسيا ومنطقة الخليج، وليس في الولايات المتحدة أو أوروبا. وقد باعت شركة أمريكية مثل المجموعة الدولية الأمريكية للتأمين AIG من مبادلات العجز الائتماني وبوالص التأمين خارج الولايات المتحدة أكثر مما باعت داخلها. ويعمل لدى بنك يو بي إس ثلاثة آلاف أمريكي، وهو مدرج في بورصة نيويورك للأسهم ويمتلك شركة بين ويبر للوساطة. وستشهد أسواق المال تطوراً في السباق الذي ستحقق فيه الأسواق الناشئة نمواً بمثلي السرعة التي تنمو بها البلدان المتقدمة، وفي منتصف القرن من المحتمل أن تشكل هذه الأسواق نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وتتسبب العولمة الآن بحدوث صدام بين الفلسفات. فمعظم الحكومات والمستثمرين خارج الولايات المتحدة لم يشاركوها أبداً نظامها القائم على رأسمالية الكاوبوي. وأصبح لديهم الآن سبب وجيه لإدخال تغييرات أساسية على الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة مؤسساتها المالية. ويمكن أن يحدث ذلك بإجراء تعديل واع ومتفاوض عليه في الأنموذج المالي الأمريكي، أو يمكن أن ينشأ عن قيام المستثمرين الأجانب بتحويل أموالهم إلى أماكن أخرى.
كل هذه الاعتبارات تشير إلى أن هناك حاجة في النهاية إلى وجود سلطة نقدية عالمية جديدة. ومن شأن هذه السلطة أن تحدد طريقة عمل أسواق المال على نحو لا يتعارض بشكل عميق مع العمل الإشرافي العام القوي وفقاً لقواعد التدخل، ويعيد لتشكيل رأس المال هدف النمو الاقتصادي والتنمية بدلاً من التداول لصالحه.
إن من شأن سلطة نقدية عالمية أن تكون جهة لإعادة التأمين بخصوص بعض الالتزامات المترتبة على البنوك المركزية أو التقليل منها. ومن شأنها كذلك أن تدقق في الجوانب التنظيمية للسلطات المحلية بصورة أشد من صندوق النقد الدولي، وتراقب الطريقة التي يتم بها تنفيذ عدد محدود من الضوابط العالمية. ستقوم هذه السلطة كذلك بمراقبة المخاطر ووضع نظام فعال للإنذار المبكر، بسلطة أوسع لدق نواقيس الخطر من سلطة بنك التسويات الدولية.
وستعمل السلطة النقدية العالمية “محكمة للإفلاس” لإعادة تنظيم الأوضاع المالية للشركات العالمية فوق حجم معين. ويتعين على كبريات الشركات المالية العالمية أن تسجل نفسها لدى هذه السلطة وتخضع لمراقبتها، وإلا وضعت في القائمة السوداء. وهذا يشمل الشركات والبنوك التجارية، لكنه يشمل أيضاً صناديق الثروة السيادية وشركات الأسهم الخاصة.
وينبغي أن يتضمن مجلس إدارة السلطة النقدية العالمية المقترحة محافظي البنوك المركزية، ليس من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو واليابان فحسب، ولكن أيضا من الصين والمملكة العربية السعودية والبرازيل. أما تمويلها فيتم عن طريق المساهمات الإجبارية من كل بلد قادر ومن علاوات الإصدار، على غرار ما يحدث في شركات التأمين من الشركات المالية العالمية - المدرجة للتداول، والمملوكة للحكومات، أو ذات الملكية الخاصة على حد سواء.
وبالنسبة للولايات المتحدة والسياسة الدولية، فمن المحتمل أن تعتبر السلطة النقدية العالمية فكرة لم يحن وقتها بعد، لكن هذا يمكن أن يتغير مع تطور الأزمة الحالية
-
صفحات
-
RSS Links
-
أحدث التدوينات
- أمير قطر يهاجم إسرائيل ويجدد الدعوة لقمة طارئة
- أرقام من المحرقة
- يا أهل غزة.. شكرا = عبد الباري عطوان
- 6.755 ملايين ريال جملة التبرعات خلال 4 ساعات والأمير نايف يشكر المواطنين والمقيمين خادم الحرمين يتبرع بـ 30 مليون ريال لإغاثة الشعب الفلسطيني
- الهجوم البري تحد صارخ للإرادة الدولية ومجلس الأمن فشل في وقف العدوان
وسوم
أردوغان يؤكد استمرار المفاوضات بعد اولمرت... وأمير قطر إسرائيل تستعد للإنسحاب من بلدة الغجر اللبنانية إعمار ازمة الاسواق الأمم المتحدة القطاع المالي الكارثة الاقتصادية النظام المالي بنك ليمان المنهار و"وول ستريت" وأسواق مجلس التعاون بورصة بيروت حزب الله في قريطم حزب اللّه والمستقبل حكام عرب يتصدرون قائمة أغنى الملوك حماس خطة الإصلاح الأمريكية دمشق: مفاوضات إسرائيل ستكون ملف الرباعية الأساسي سوليدير عقود الإعمار قانـون الانتخـاب قمة سعودية - لبنانية مانشستر سيتي 2009العدوان الإسرائيلي على غزة
Post a Comment