أثارت الموضوعات التي نشرتها «الشرق الأوسط» الأسبوع الماضي حول الدعوة التي قالت إيران إنها تلقتها لحضور القمة الخليجية المقبلة في مسقط، اهتماما واسعا والكثير من التساؤلات حول الدعوة وكيفية توجيهها. وتوضيحا للصورة تنشر «الشرق الأوسط» اليوم القصة الكاملة لهذه «الدعوة» المثيرة للجدل. كانت البداية يوم الاثنين 25 أغسطس عندما بثت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (ارنا) تصريحات لوزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي خلال زيارة قام بها لمقر الوكالة في طهران. وتناول متقي في تصريحاته قضايا مختلفة، إلا أن أكثر ما أثار انتباه «الشرق الأوسط» كان حديث متقي عن أن إيران تلقت دعوة لحضور القمة الخليجية في مسقط وأنها تدرس الأمر بما يناسب مصالحها. فقد سئل وزير الخارجية الإيراني خلال زيارته لمقر الوكالة الإيرانية عما إذا كانت طهران قد تلقت دعوة للمشاركة في قمة مسقط، فأكد الأمر وقال: «نحن ندرس الدعوة الموجهة إلينا وسنعلن في حينها المشاركة أو عدم المشاركة». وأضاف في معرض رده على سؤال حول مدى جدوى حضور إيران القمة الخليجية، بعد تصريحات الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية (التي نشرتها «الشرق الأوسط» في حينه): «بأن مشاركة إيران في أي اجتماع ستكون منطقية، بشرط تعريف أهداف المشاركة وتفضيل المصالح الإيرانية». ورفض متقي تصريحات العطية، التي شبه فيها احتلال إيران للجزر الإماراتية باحتلال إسرائيل لفلسطين، وقال إن «هذه التصريحات لا تليق بالسيد العطية، ولا بمكانته وكذلك بعلاقات إيران مع دول المنطقة». وأضاف «أنه من الممكن أن تكون لدى البعض آراء ووجهات نظر غير صائبة»، موضحا أن تصريحات العطية فيها «كلام صائب وآخر غير صائب.. نحن نرفض تصريحاته غير الصائبة.. وهذا الكلام لا يليق به. ولا بمكانته، وكذلك لا يليق بعلاقات إيران بالمنطقة، لذا نرفضه». وتابع: «نحن ندعم الجهود الايجابية للتعاون بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج الفارسي».
وبدأت «الشرق الأوسط» سلسلة اتصالات لتقصي الأمر، فاتصلت بمصادر في طهران لمعرفة تفاصيل الدعوة، إلا أن المصادر الإيرانية رفضت الحديث عن الكيفية التي وجهت بها الدعوة لإيران، قائلة إن هناك اتصالات ومشاورات دائمة بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي، مشيرة إلى المحادثات بين الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في طهران التي جرت قبل ذلك بأيام، وكذلك إلى اللقاءات التي انعقدت الاسبوع الماضي بين مسؤولين عسكريين إيرانيين وعمانيين.
واتصلت «الشرق الأوسط» بالأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي للحصول على تعليق حول ما أعلنه متقي بخصوص استضافة نجاد في قمة مسقط، فرفضت الأمانة التعليق، بينما قال مصدر خليجي قريب من الأمانة لـ«الشرق الأوسط»: «إن مثل هذا الأمر يخص الدولة المضيفة، وشأن من شؤونها». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من عدة عواصم خليجية ولم تتحدث في الأمر بداية إلا مصادر كويتية مسؤولة قالت إن الكويت لم تبلغ بدعوة الرئيس الإيراني لحضور القمة الخليجية المقبلة. وأضافت المصادر الكويتية قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن «الكويت لم تُستشر أو تبد رأيا حول هذه المسألة، ولم يصلها أي طلب أو رغبة باحتمال دعوة الرئيس الإيراني لحضور القمة الخليجية المقبلة». وشددت المصادر على أن مثل هذه القضايا لها خصوصيتها الدبلوماسية «كون سلطنة عمان هي التي ستتولى الدعوة لحضور القمة، نظرا لرئاستها للقمة المقبلة، وعليه سيبقى ذلك قرارا سياديا خاصا بالسلطنة وحدها، أما من ناحيتنا فلم يردنا أي شيء بهذا الخصوص».
وتعليقا على الدعوة واحتمال المشاركة الإيرانية في القمة الخليجية، استبعدت المصادر ذاتها حضور الرئيس الإيراني للقمة، متى ما تمت دعوته رسميا، لعدة أسباب أولها «أن الحضور الإيراني للقمة الأخيرة التي عقدت بالدوحة، سبب الكثير من الحرج، خاصة للجانب الإماراتي. بالاضافة إلى تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول إغلاق مضيق هرمز، وفتح مكاتب إيرانية في الجزر الإماراتية المحتلة.. وهو ما ينبئ بعدم تقبل دول الخليج الحضور الإيراني، حتى وإن وجهت أطراف الدعوة للرئيس نجاد لحضور القمة».
واختتمت المصادر حديثها بالإشارة إلى أن «وزراء الخارجية الخليجيين سيحضرون اجتماعهم الـ108 المقرر يوم الثلاثاء في جدة برئاسة دولة قطر، وربما يناقشون مثل هذا الطلب، متى ما قدم بشكل رسمي، وسط توقعات باستبعاد عرضه رسميا على المجتمعين، باعتبار أن هناك ثلاثة شهور تفصلنا عن القمة، وأن المسألة لا تزال في طور البحث، اما إذا عرض بشكل غير رسمي، فإننا سنقول رأينا فيه، ولكننا لن نتخذ أي قرار قبل أن يقدم رسميا».
ونشرت «الشرق الأوسط» تصريحات متقي وكل ما حصلت عليه من معلومات في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي، فأثار الأمر اهتماما واسعا، دفع الصحيفة لمتابعة القصة. ونشرنا في اليوم التالي (الأربعاء 27 أغسطس) تقريرا عن أن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أبلغ الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الدعوة لحضور القمة وذلك خلال مباحثاتهما في طهران. ونقلت «الشرق الأوسط» تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حسن قشقاوي، التي وردت على وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية كما نقلتها صحيفة «طهران تايمز» الرسمية التي تصدر باللغة الإنجليزية وتتبع لمنظمة الإعلام الإسلامي الإيرانية وللمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي عبر ممثله في مجلس الصحيفة.
وقال قشقاوي إنه على الأرجح سيحضر الرئيس الإيراني القمة الخليجية في مسقط، بعد دعوة أمير قطر للرئيس الإيراني للحضور. وذكر في تصريحات نقلتها الوكالة الإيرانية أن الزيارة التي قام بها أمير قطر إلى طهران: هدفت إلى توصيل طلب من دول مجلس التعاون الخليجي لطهران حول زيادة التعاون بين الطرفين، وإجراء مزيد من المشاورات مع طهران بشأن سبل تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة. وتابع قشقاوي قائلا إن «حضور أحمدي نجاد المثمر لآخر قمة لدول مجلس التعاون الخليجي، شجع جيراننا في الخليج على تعزيز العلاقات مع إيران». ونقلت «طهران تايمز» عن قشقاوي قوله «إن الرئيس محمود أحمدي نجاد من المرجح أن يحضر قمة دول مجلس التعاون للخليج الفارسي في مسقط بعد تلقيه دعوة من أمير قطر». وأضافت «طهران تايمز» ان «المتحدث أبلغ الصحافيين في مؤتمره الصحافي الأسبوعي أن الزيارة الأخيرة لأمير قطر إلى طهران كانت منصبة بشكل خاص على نقل رغبة دول الخليج الفارسي لتوسيع التعاون مع الجمهورية الإسلامية وعقد مزيد من المناقشات مع إيران حول سبل إنشاء السلام والأمن في المنطقة». وكانت «الشرق الأوسط» قبل نشر هذا التقرير قد حاولت الحصول على تعليق من المسؤولين القطريين فاتصلت بوزارة الخارجية القطرية موضحة رغبتها في الحصول على رد قطري بشأن الدعوة التي وجهت إلى أحمدي نجاد لحضور القمة الخليجية، فأبلغت بأنه سيتم الرد على استفسارنا في وقت لاحق، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى مثول الجريدة للطبع.
واللافت أن وسائل إعلام إيرانية وأخرى قريبة من إيران تناقلت أيضا خبر دعوة أحمدي نجاد للقمة الخليجية المقبلة. كما أن جريدة «الراية» القطرية نشرت أمس مقالا بقلم علي الظفيري تحدث فيه عن هذه الدعوة محللا رؤيته لمواقف الدول الخليجية. وجاء فيه «نظرا لما هو ظاهر ومعلن من المواقف فإن قطر وعمان تقفان على ما يبدو في الصف الداعي لمزيد من التقارب مع إيران، وذلك يعني ضمنا أنهما (الرئيس الحالي والقادم للقمة الخليجية) مع دعوة الرئيس الإيراني انطلاقا من رؤية وموقف يرى في هذا الاتجاه مصلحة للخليج واستقراره، بالنسبة لعمان يمكن التأكيد على ذلك قياسا لموقعها الجغرافي وعلاقة طويلة ودافئة جمعتها بالإيرانيين إضافة لبرود اتسمت به العلاقة مع السعودية في بعض الفترات. أما قطر فقد كانت صاحبة الدعوة الماضية في قمة الدوحة، وزار سمو الأمير إيران قبل أيام بعد استقباله في الدوحة للسلطان قابوس وما تلا الزيارة من تصريحات إيرانية بأن إيران تلقت دعوة لحضور القمة ستحدد موقفها منها حسب ظروفها ومصلحتها».
Post a Comment